المقالات : حديث الهداية :


د. مهدي بن ابراهيم مبجر
نائب رئيس مجلس إدارة المكتب التعاوني للدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات بشرق جدة 

بينما المسلمون يعيشون فرحة النصر ، وفرحة العافية ، وفرحة السلامة لرسول الله r بعد يوم الفرقان (بدر الكبرى )- وهي نعم عظمى وهم يعرفون قدر النعمة وحقوقها - {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }يونس58 كيف لا وقد نصرهم الله وهم أذلة كما قال تعالى : {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }آل عمران 123 أقول بينما المسلمون (رسول الله r وأصحابه رضي الله عنهم) يعيشون هذه الفرحة إذا بهم يفاجئون بمخطط رهيب يستهدف رأس النعمة ، يستهدف رسول اللهr ؛ هذا عمير بن وهب الجمحي -المعروف لدى المهاجرين بشيطنته وشدة بأسه وجراءته وأذاه للمسلمين -قد أناخ بباب المسجد متوشحاً سيفه فيبصره عمر -رضي الله عنه - وهو يعلم من هو عمير فيفزع قائلاً : [ هذا عمير والله ما جاء إلا لشر ] وكان عمير قد جلس مع صفوان بن أمية في الحرم المكي بحجر إسماعيل وتذاكرا قتلى بدر من ساداتهم وعظمائهم فقال صفوان : والله ما في العيش بعدهم خير – وكان قد قتل أبوه وأخوه –فيصدقه عمير – وولده أسير عند المسلمين – ويقول : لولا دين علي ليس عندي ما أقضيه وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لذهبت إلى محمد فقتلته 0 فيتعهد له صفوان بقضاء دينه ورعاية عياله من بعده فيطلب منه كتمان خبره لئلا يحال بينه وبين ما يريد من قتل النبي   rفيسبقه الوحي ،ويخبر الله رسوله r بهذا المخطط ويهديه وقد وعده أن يعصمه من الناس كما قال تعالى : { وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ }المائدة67

 يدخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على رسول الله  r ويخبره خبر عمير بن وهب ويقول يارسول الله هذا عمير بن وهب عدو الله والله ما جاء إلا لشر فاحذره يا رسول الله فيقول الهادي عليه الصلاة والسلام ادخله ياعمر فما كان منه إلا أن طلب من جماعة الأنصار الذين كانوا معه أن يدخلوا عند رسول الله ليحذروه على رسول الله r ويأخذ –هو - بحمالة سيف عمير -وكان قد شحذه وسممه- وبتلابيبه ويدخله على رسول الله r فيأمره رسول الله قائلاً: أطلقه ياعمر فأطلقه فقال : أدن ياعمير . فدنا  وقال محييا رسول الله وأصحابه بتحية الجاهلية : أنعموا صباحاً فقال رسول الله r إن الله قد أبدلنا خيرا ً منها السلام تحية أهل الجنة فقال : في جفاء الجاهلية : أما والله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد .

لم يتشاغل رسول الله r بهذا الجفا لعلمه بمصدره ( وهو الجهل ) وقد أرشد الله المسلمين إلى أحسن الهدي في التعامل مع هذه المواقف قال تعالى:{قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ }الجاثية14 

           انتقل رسول الله r للحديث مع عمير   قائلاً :  ما لذي جاء بك يا عمير ؟  

لم يكن عمير إلى هذه اللحظة متصوراً أنه رسول الله يأتيه الخبر من الله ، وكان قد بالغ في التستر على خبره فتعلق بعلة وقوع ابنه أسيراً عند المسلمين فقال : جئت لهذا الأسير الذي عندكم أن تحسنوا إليه وأنتم الأهل والعشيرة . فقال رسول الله r فما بال السيف معلق بعنقك فقال : قبحها الله من سيوف وهل أغنت عنا شيئاً ! فقال رسول الله : rاصدقني يا عمير ما جئت إلا لهذا ؟ فأكد له دعواه من أنه ماجاء إلا لهذا فقال رسول الله r: بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر وتذاكرتما أصحاب القليب وقلت كذا وكذا فاستعد لك صفوان بقضاء دينك ومواساة عيالك على أن تقتلني والله حائل بينك وبين ذلك . 

        فوجئ عمير بما قال رسول الله r وانزاح عنه الباطل فعلم أنه رسول الله حقاً وقال : أشهد أنك رسول الله وأن الذي جاءك بالخبر هو الله لأنه لا أحد يعلم بما دار بيني وبين صفوان إلا الله ثم شهد شهادة الحق أشهد أن لاإله إلاالله وأشهد أن محمداً رسول الله.

  دخل عمير في دين الله الحق وصار من المسلمين له مالهم وعليه ماعليهم من حقوق وواجبات بل صار من أصحاب النبيr  فقال رسول الله r: " فقهوا أخاكم في دينه وأقرئوه القرآن وأطلقوا له أسيره" ويفعل الصحابة  ذلك . يعود عمير إلى رسول الله r  قائلاً  : يا رسول الله لقد جهدت في إطفاء نور الله وآذيتك وأصحابك أذى شديدا فأذن لي لأعود إلى مكة فأدعوهم إلى الإسلام لعل الله أن يهديهم ومن لم يؤمن آذيته في دينه مثل ما كنت آذيك وأصحابك فأذن له .   

        ويعود عمير إلى مكة لكن بغير الوجه الذي خرج به وكان صفوان ويبشر أهل مكة بيوم ينسيهم يوم بدر ويقصد ما عزم عليه عمير من قتل النبي r ويتابع صفوان الخبر ويسأل كل من يأتي من المدينة  عن عمير فيأتيه الخبر بأنه أسلم فيغتم ويقسم أنه لا يكلمه ولا يساعد أهله ويدخل عمير مكة على أهله ولا يمر على صفوان فيزيده غماً على غم ويقول لم يمر علي لأنه صبأ ثم يأتيه عمير وهو في ملأ من قومه في الحرم فيكلمه عمير ويقول له انت من ساداتنا تعبد أحجاراً أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فلا يكلمه.

    ويستمر عمير في دعوته بمكة ويسلم على يديه كثير من أهل مكة ويبقي بمكة إلى أن فتحهاالله على رسوله الله r ويهرب صفوان بن أمية من مكة فيلحقه عمير بعد أن أخذله الأمان من رسول اللهr وأخذ من رسول الله رداءه او برده علامة وذكر ابن القيم أنه أعطاه عمامته التي دخل بها مكة ليصدقه صفوان وقيل ارسل بذلك ابنه وهباً فعاد إلى مكة ووقف امام رسول الله r وقال إن وهب بن عمير يقول إنك أعطيتني الأمان شهرين فصدقه وزاده شهرين آخرين وحضر معه حنينا وهو غير مسلم واستعار منه سلاحاً فقال : طوعاً او كرهاً ؟ فقال رسول اللهr بل طوعا عارية مضمونة وأعطاه من الغنائم يوم حنين كثيراً فقال : أشهد بالله ما طابت بهذا إلا نفس نبي فأسلم وأقام بمكة،  أما عمير – رضي الله عنه -فقد ورد ذكره في عزوة تبوك حيث رافق أبا خيثمة حتى إذا دنى من الجيش طلب أبو خيثمة منه أن يتأخر عنه ليخلو هو برسول اللهr  وقال له أنت رجل جرئ قيل إنه بلغه أهمية الهجرة فلما جاء إلى المدينة أخبره الرسول بأنه لا هجرة بعد الفتح وأمره أن يعود إلى مكة فأقام بها حتى مات في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.                                      

                                                          
 

المزيد من المقالات

أضف تعليق
الاسم :
ناتج جمع :(8 + 8)
التعليق :
 

 

القائمة البريدية

للحصول على اخر اخبار المكتب قم يالإشتراك في القائمة البريدية الخاصة بنا



 إشتراك  إلغاء الإشتراك

أرقام المكتب

المملكة العربية السعودية - محافظة جدة - طريق مكة القديم - كيلو 13 - خلف مستوصف سابا

أرقام التواصل

الرقم الموحد - 920020552

هاتف - 6200005  - الفاكس 6240398

( info@dawaa.org )

    حسابات المكتب

مصرف الراجحي SA3180000378608010074007  

البنك الأهلي / المعاملات الإسلامية -13869236000101

 

تواصل معنا