المقالات : عاشوراء .. يوم الوفاء :


عاشوراء ... يوم الوفاء


تأتى المناسبات الإسلامية الكريمة لتحرك شعورًا جميلا لدى المسلمين؛ ليُقبِلوا على الله فيزدادوا طهرًا وصفاءً ونقاءً، وها هو شهر المحرم يُقْبِل علينا ليدعوا المسلمين للصيام، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ وَأَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيْلِ"[1]، فشهر المحرم به يوم له فضيلة عظيمة، وحرمة قديمة وهو يوم عاشوراء.

لقد يسر الله لعباده سبل الخير، وفتح لهم أبواب الرحمة، وأنعم عليهم بمواسم البر والخيرات واكتساب الأجر والمثوبة، ورتب الأجر الجزيل على العمل اليسير تكرماً منه وفضلاً ومنَّة على عباده المؤمنين؛ ليستدركوا ما فاتهم ويكفروا عن سيئاتهم، ومن مواسم الخير والمغفرة "يوم عاشوراء".

فضل شهر الله المحرم: جعله النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل الشهور للصوم بعد صيام رمضان، وقال ابن رجب في "لطائف المعارف": "وقد قيل في معنى إضافة هذا الشهر إلى الله عزّ وجل: أنه إشارة إلى تحريمه إلى الله عز وجل، فليس لأحد من خلقه تبديل ذلك وتغييره. وقد كان السلف يعظمون ثلاث عشرات: العشر الأخير من رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، العشر الأول من محرم".

صيام عاشوراء: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم. فصامه وأمر بصيامه" (رواه البخاري 1865).

وفي رواية لمسلم: "هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه" وقوله: "فصامه موسى" زاد مسلم في روايته: "شكراً لله تعالى فنحن نصومه"، وفي رواية للبخاري: "ونحن نصومه تعظيماً له". ورواه الإمام أحمد بزيادة: "وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح شكراً". وقوله "وأمر بصيامه" في رواية للبخاري أيضاً: "فقال لأصحابه: أنتم أحق بموسى منهم فصوموا".

وردت أحاديث كثيرة في فضل يوم عاشوراء: عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صيام يـوم عاشوراء: أحتسب على الله أن يكفر السنـة التي قبله" (رواه مسلم:1976)، وعن عبيد الله بن أبي يزيد أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما وسئل عن صيام يوم عاشوراء فقال: "ما علمت (أنَّ) رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يوماً يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم.

اختلف العلماء هل كان عاشوراء قبل أن يفرض رمضان واجباً أم مستحباً؟ على قولين مشهورين، أصحهما أنه كان واجباً، ثم إنه بعد ذلك كان يصومه من يصومه استحباباً، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم العامة بصيامه، بل كان يقول (هذا يوم عاشوراء يكفر سنة، وصوم يوم عرفة يكفر سنتين). عن أبي هريرة - رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يوم عاشوراء كانت تصومه الأنبياء، فصوموه أنتم» خرجه بقي بن مخلد في  مسنده.

وقد كان أهل الكتاب يصومونه وقد صامه نوح وموسى - عليهما السلام، وكذلك قريش في الجاهلية كانت تصومه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر الناس بصيامه، فلما فرض شهر رمضان قال: "فمن شاء صامه، ومن شاء تركه" (رواه البخاري/2002 ومسلم /112 واللفظ لمسلم).

وممن روي عنه صيامه من الصحابة: عمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف وأبو موسى وقيس بن سعد وابن عباس وغيرهم، ويدل على بقاء استحبابه قول ابن عباس رضي الله عنهما: لم أر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم يومًا يتحرى فضله على الأيام إلا يوم عاشوراء وشهر رمضان، وابن عباس إنما صحب النبي -صلى الله عليه وسلم- بآخرة، وإنما عقل منه -صلى الله عليه وسلم- ما كان من آخر أمره.

مراتب صيام عاشوراء: أن يصوم اليوم العاشر ويكون قد صام عاشوراء. والأفضل أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده. وكلما زاد الإنسان الصيام في شهر محرم كان أجره أعظم. وأما حديث ابن عباس: "صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، صوموا قبله يوماً وبعده يوماً" فالحديث ضعيف (ضعيف الجامع الصغير رقم3506).

والاحتفاء بيوم عاشوراء يعد وفاءً من نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم لأخيه موسى عليه السلام، مما يبرز الآثار الطيبة في المسلمين والثمار من هذا اليوم المبارك في نفوسهم وأهمها:

1- يوم عاشوراء ربط بين أهل الإيمان بعضهم بعضا -ولو اختلفت الأنساب واللغات- بل والأزمنة، فأصله ارتبط بموسى ومن معه من المؤمنين، ثم امتد لكل من شاركهم في الإيمان.

2- يربي في قلوب المؤمنين المحبة بينهم ووحدة الهمم، فبصيامه يتذكر الإنسان ذلك الحدث التاريخي الذي مر على إخوانه في الدين مع موسى عليه السلام من محاربة لهم وإيذاء على أيدي أهل الكفر.

3- يوم عاشوراء يدل على أن الأنبياء بعضهم أولى ببعض كما في رواية "أنا أولى بموسى منكم". وهذه الولاية لاتحادهم في الدين والرسالة.

4- صيام يوم عاشوراء يدل على أن هذه الأمة أولى بأنبياء الأمم السابقة من قومهم الذين كذبوهم، ويدل على ذلك رواية الصحيحين "أنتم أحق بموسى منهم". وهذا من مميزات الأمة المحمدية عند الله، ولذلك يكونون شهداء على تبليغ الأنبياء دينهم يوم القيامة.

5- يوم عاشوراء تذكير لأهل الأرض عامة بنصرة الله لأوليائه، وهذا يجدد في النفس الميل إلى البحث عن هذه النصرة وأسبابها، وتذكير لأهل الأرض عامة بهزيمة الله لأعدائه، وهذا يجدد في النفس الأمل ويبعث التفاؤل.

6 - يوم عاشوراء تأكيد على وجوب مخالفة هدي المشركين حتى في العبادة. و مخالفة الكفار من أبرز مظاهر تحقيق البراء من الكافرين الذي لا يتم الإيمان إلا به، وقد شدد الشارع على المتشبهين بهم، حتى قال النبي  :"من تشبه بقوم فهو منهم" قال الألباني : حديث حسن صحيح.

7 - يوم عاشوراء دليل على عظم كرم الله سبحانه، وأنه يعطي الجزاء الأوفى على العمل القليل فتكفير سنة كاملة بصيام يوم واحد.

8- صيام يوم عاشوراء تربية للناس على فتح باب المسابقة والتنافس في الخيرات، فقد دل النبي  على فضل عاشوراء ثم ترك الأمر راجعاً إلى اختيار الشخص حتى يتبين المسابق للخيرات مع غيره.

9- تعويد الصحابة رضي الله عنهم صبيانهم على صيام يوم عاشوراء دليل على أنه ينبغي إظهار بعض شعائر الدين في المجتمع حتى عند غير المكلفين حتى يتربى لديهم الانتماء لهذا الدين وأهله، ومنها التربية الجادة على التحمل والصبر، ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم يعودون صبيانهم على الصيام حتى قالت الربيع بنت معوذ رضي الله عنها :"فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه اللعبة من العهن" متفق عليه.

10- صيام يوم عاشوراء دليل على يسر الشريعة، ولذلك قال  :"فمن شاء أن يصومه فليصمه، ومن شاء أن يترك فليتركه" متفق عليه.

11- صيام يوم عاشوراء دليل على إثبات النسخ في شريعة هذه الأمة المحمدية قبل وفاة النبي ، وذلك لأنه كان واجباً ثم نسخ إلى الاستحباب، وإثبات النسخ في صيام يوم عاشوراء أو غيره من الأحكام دليل على حكمة الله سبحانه وتعالى، وأنه سبحانه يمحو ما يشاء ويثبت، ويخلق ما يشاء ويختار.

12- صيام يوم عاشوراء دليل على أن الشكر يكون بالفعل كما هو بالقول حتى عند الأمم السابقة، فقد صامه موسى عليه السلام شكرا لربه سبحانه، وهذا منهج الأنبياء كما فعل داود عليه السلام وختاما بالنبي  في صلاته بالليل، فلما سئل عنها قال :"أفلا أكون عبدا شكورا" متفق عليه

13- صيام يوم عاشوراء تربية للناس على اختلاف الأفعال مع عدم إنكارهم على بعضهم البعض ما دام أن الأمر فيه سعة من الاختلاف، ولذلك كان بعض الصحابة يصومه والبعض لا يصومه، ولم ينقل تخطئة بعضهم بعضاً أو اتهام بنقص الإيمان أو غيره.

14- صيام يوم عاشوراء فيه سرعة الاستجابة لله ولرسوله  في الأوامر، فقد جاء في الصحيحين من حديث سلمة -رضي الله عنها- أن النبي  بعث رجلاً ينادي في الناس يوم عاشوراء أن من أكل فليتم أو فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل". فاستجاب الناس لذلك ولم يستفصلوا أو يناقشوا وبادروا للعمل، وعلى هذا يجب أن يكون سلوك المسلم في تطبيقه أوامر الله.

هذا هو اليوم العظيم والأجر العميم فاغتنمه يا رعاك الله وبادر إلى سنة نبيك الذي أمرت بالتأسي به، عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام، أسأل الله أن يرزقنا وإياك الإخلاص، وأن يتقبل منا ومنك صالح الأعمال.


بقلم / د.أشرف سالم

 

 

المزيد من المقالات

أضف تعليق
الاسم :
ناتج جمع :(7 + 5)
التعليق :
 

 

القائمة البريدية

للحصول على اخر اخبار المكتب قم يالإشتراك في القائمة البريدية الخاصة بنا



 إشتراك  إلغاء الإشتراك

أرقام المكتب

المملكة العربية السعودية - محافظة جدة - طريق مكة القديم - كيلو 13 - خلف مستوصف سابا

أرقام التواصل

الرقم الموحد - 920020552

هاتف - 6200005  - الفاكس 6240398

( info@dawaa.org )

    حسابات المكتب

مصرف الراجحي SA3180000378608010074007  

البنك الأهلي / المعاملات الإسلامية -13869236000101

 

تواصل معنا