المقالات : بين العلم والعمل :



بقلم: د. أشرف سالم

" لا يُفتى ومالكٌ في المدينة" .. مالك وما أدراك ما مالك، الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة .. ثاني أئمة المذاهب الأربعة التي تقبلتها الأمة وعاءً لشرعها وحملةً لعلمها، مالك تلميذ أبي حنيفة وأستاذ الشافعي رحمهم الله أجمعين، مالك صاحب "الموطأ" الكتاب الجامع الذي أراد الخليفة العباسي في عصره أن يعممه على الأمصار ليكون المرجعية الشرعية للأمة، ولكن مالكًا بورعه وتواضعه وتقواه رفض ذلك قائلا: يا أمير المؤمنين إن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار؛ ولا ندري لعل علم بعضهم لم يصل إلينا فجهلناه، ولا يسعنا أن نلزم الأمة بعلمنا وبجهلنا"، ولا نستغرب ذلك على الإمام الهمام الذي قال وهو جالس يلقي دروس العلم في المسجد النبوي الشريف: "ما من أحدٍ إلا ويؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر المعصوم صلى الله عليه وسلم"، ومنذ ذلك الموقف الجليل أُطلقت المقولة الشهيرة "إذا ذُكر العلماء .. فمالك النجم".

في مذهب الإمام مالك لا يجوز صلاة النوافل بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس؛ سواء كانت النافلة بسبب أو بغير سبب، وذات يومٍ دخل الإمام المسجد بعد العصر ليلقي درسه على طلابه، وبمجرد دخوله للمسجد جلس دون أن يصلي؛ وتصادف أن كان في المسجد غلامٌ لا يعرفه؛ فاستنكر تصرفه وذهب إليه محتدا وقال: "يا رجل .. قم فصلِ ركعتين"، فما كان من مالك إلا أن قال له أبشر؛ ونهض فاستقبل القبلة وشرع يصلي ركعتين؛ أثناء صلاته اجتمع حوله طلابه مستغربين فعلته ومنتظرين انقضاء صلاته؛ وما إن سلم حتى سألوه: يا أبا عبد الله هل غيرت مذهبك ورجعت عن قولك؟، فقال لهم: لا والله ما غيرت ولا بدلت، فقالوا له: إذن لماذا صليت ونحن بعد العصر؛ فأشار إلى الغلام وقال لهم: لقد قال لي الغلام قم فصلِ؛ فكرهت أن أكون ممن قال الله فيهم "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ".

أتأمل في هذا الموقف العجيب والقول المهيب من هذا الإمام الحبيب، وأنا أشهد كيف يتعامل بعض طلاب العلم بعلمهم اليسير فيوظفونه في الجدال والتنفير والتعسير، بينما العلمُ إنما جُعل للعمل، فالعلم بلا عمل كالشجر بلا ثمر.

فلو تأملنا في أقول علماء السلف الصالح لأيقنا أن العلم وسيلة إلى العمل وليس مقصوداً لنفسه؛ فضلا عن أن يكون سبيلا للجدل، قال الشاطبي رحمه الله (العلم وسيلـة من الوسائل، ليس مقصوداً لنفسه من حيث النظر الشرعي، وإنما هو وسيلة إلى العمل، وكل ما ورد في فضل العلم فإنما هو ثابت للعلم من جهة ما هو مكلَّف بالعمل به، وهذا هو العلم المعتبر شرعا الذي مدح الله ورسوله أهله على الإطلاق ـ هو العلم الباعث على العمل.

وقال أبو حامد الغزالي العلم بلا عمل جنون، والعمل بغير علم لا يكون، وإذا لم تعمل اليوم، ولم تدارك الأيام الماضية، تقول غدا يوم القيامة، فارجعنا نعمل صالحا، فيقال: يا أحمق أنت من هناك تجيء، وقال ابن القيم رحمه الله (ومن فَقَّهه في دينه فقد أراد به خيراً إذا أريد بالفقه العلم المستلزم للعمل، وأما إن أريد به مجرد العلم فلا يدل على أن من فقه في الدين فقد أريد به خيراً).

ويقول المناوي في فيض القدير: ((اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع) أي علم لا أعمل به ولا أعلمه ولا يبدل أخلاقي وأقوالي وأفعالي أو علم لا يحتاج إليه في الدين.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما إلى علمنا، واجعلنا هداةً مهتدين.

 

المزيد من المقالات

أضف تعليق
الاسم :
ناتج جمع :(8 + 6)
التعليق :
 

 

القائمة البريدية

للحصول على اخر اخبار المكتب قم يالإشتراك في القائمة البريدية الخاصة بنا



 إشتراك  إلغاء الإشتراك

أرقام المكتب

المملكة العربية السعودية - محافظة جدة - طريق مكة القديم - كيلو 13 - خلف مستوصف سابا

أرقام التواصل

الرقم الموحد - 920020552

هاتف - 6200005  - الفاكس 6240398

( info@dawaa.org )

    حسابات المكتب

مصرف الراجحي SA3180000378608010074007  

البنك الأهلي / المعاملات الإسلامية -13869236000101

 

تواصل معنا